سوق قمة الجبل - قصة قصيرة
أحس بدوار شديد عندما لامست قدماه حافة الجبل، وجد نفسه بين وجوه غريبة وتضاريس وعرة، ألم مبرح جعل أوصاله تشل، ربما بسبب الزحام الذي جعله مدفونا تحث أقدام الغرباء، رائحة كريهة تنبعث من الأحذية المطاطية، كل شيء لا يبدو منتظما، أجساد متراكمة اختلطت برائحة التوابل و هدير الشاحنة المدوي بين صخور الجبال الضخمة، انتابه شعور موجع مشوب بالمرارة والضياع، أراد أن يصرخ...أن يبكي ليتخلص من القلق الذي هاجم عقله فجأة.
استسلم لنوم خفيف داعب أجفانه، لاحت أمامه صورة والده بملامحه الفولاذية وشخصيته الفذة، قبل يداه...بل رجلاه، رجل عظيم! آثر طريق الكفاح ضد الاستعمار...متحديا جم الصعاب، شاهده يحمل بندقية، كان شابا يافعا تسري في عروقه دماء أيت عطا المتعطشة للامتزاج بتربة الوطن المغتصب، شاهده الفتى على بعد أمتار...من عرينه...فرائص العدو ترتعد...امتزجت رائحة البارود بأنين الجرحى...أجساد مترامية هامدة كتب لها أن تخمد بين مخالب سباع الغاب الضارية. فتح الفتى عينيه، وجد نفسه بين وجوه شاحبة فجر كل يوم سبت في اتجاه سوق قمة الجبل، ركز الفتى نظره على الغابة الكثيفة،قطيع من الماعز يتسلق بمهارة أشجار البلوط الأخضر،تقضم أغصانها بنهم...توقفت الشاحنة مرات عديدة، تزايد الركاب أضعافا أحس الفتى باضطراب في جنبه الأيسر.
لمح رجلا وقورا بجانبه، عادت صورة والده إلى ذهنه مرة أخرى...شاهده تاجرا محنكا طموحا تسلق درجات الحياة الوعرة وعورة هذه الجبال الشاهقة، قهر العدو في ساحة الوغى، أدرك المجد في سوق قمة الجبل، رسم لنفسه صورة بديعة في عيون البسطاء الطيبين، اسمه أضحى كالأكسيجين الذي يتنفسونه، بل كالدماء في عروقهم...توقفت الشاحنة مرة أخرى، سمع صوتا خافتا يأمر بالصلاة مع الغرباء، استجمع قواه، فتح عينيه الناعستين، امتدت يده إلى السلم المؤدي إلى أسفل الشاحنة، استقرت رجلاه على الأرض المفروشة بالحصى. هرول نحو الصفوف المتراصة بجانب العين المجاورة لشجرة الصفصاف الضخمة...حضور من نوع آخر بدويات من أيت عيسى حملن على ظهورهن بشكل متشابه أواني فخارية، سلكن طريقا ملتوي في اتجاه المنبع، وقف الفتى محدقا في وجوههن، كلما اقتربن برزت ملامحهن الطفولية الجميلة وبنية أجسادهن النحيفة...قام الجمع من الصلاة متجهين صوب الشاحنة، علامات الأرق بادية في عيونهم، شعر الفتى بدفء يتسرب إلى جسده النحيف وسط موجة البرد القارص المتسلل من قمة الجبل المكسوة برداء أبيض...برد حولته أجساد الغرباء المتزاحمة إلى دفء.
ظل الصعود مستمرا ونظرات الغرباء الحزينة ما زالت تلاحق الفتى، ربما رجعت بهم ملامحه إلى أربعين عاما خلت...تحولت الصورة إلى صورتين، صورة في مخيلتهم و أخرى أمامهم، الأولى حفر الزمان عليها التجاعيد و أضفى عليها الشيب وقارا، و الثانية صورة مصغرة للأولى مسكونة بهاجس الوصول إلى القمة.
صاح احدهم:"وصلنا..." نزل الجميع و بقي الفتى جامدا في مكانه شارد الذهن، يفكر في غياب والده المفاجئ، ظل يكرر نفس الجواب "مصاب في كاحله الأيمن..." حاول استحضار قاموس والده الغني بتجربة السنين الطويلة...لكن أعين الغرباء كانت تفحص الفتى قبل السلعة...تسال عن الغائب الكبير، و ترجع من حيث أتت. مر اليوم بطيئا كئيبا، تمنى الفتى لو تبخر و تلاشى في الهواء، أو يذوب مع الثلج الذي غطى أديم الأرض وينساب في الجداول والأنهار بين الحقول والبراري... تكررت الزيارات أصبح مألوفا، حزن الفتى على سنوات عمره الضائعة بين جدران الفصول الباردة.
/image%2F0489528%2F201303%2Fob_97178a_15410-510795732298095-1582374790-n.jpg)
